دور البحث العلمي في تطوير التعليم العالي الأكاديمي

 

المقدمة
أصبحت الحاجة الى الدراسات والبحوث في التعليم العالي تنال الاهتمام الواسع لمدن العلم والعالم في سباق مع الزمن من أجل الوصول والحصول على اكبر قدر ممكن من المعرفة الدقيقة وان قوة الدقيقة وان قوة الدولة أخذت تعتمد على مقدار تقدمها العلمي وجم الاختراعات العلمية ومستواها بالاضافة الى حجم الانفاق والاستثمار في مجال البحث العلمي. ويحتل البحث العلمي في الوقت الحاضر مكانه مميزة في تقدم النهضة العلمية حيث تعتبر مؤسسات الأكاديمية والجامعات المركز الرئيسي للنشاط العلمي الحيوي  بما يتوفر لها من وظيفة أساسية في تشجيع البحث العلمي.

وبدأ الإهتمام الدول المتقدمة بالبحث العلمي منذ فترة بعيدة وقامت بتدريسه في الكليات المختلفة كمادة اساسية في معظم التخصصات وذلك ايمانا منها بدوره الفاعل في عملية التطوير والتنمية بكافة اشكالها ومجالاتها. أما في الدول العربية فقد بدأت بالبحث العلمي في اوساط القرن الماضي ومازلنا بحاجة ملحة الى تنشيط البحث العلمي وتطويره وحل المشكلات الاساسية التي لازالت تواجهه ومن بينها عدم وجود خطط واضحة للبحث العلمي على المستوى الوطني والنقص الواضح في ميزانيات البحث العلمي وغياب التنسيق بين مؤسسات البحث العلمي في البلدان العربية وحتى على مستوى البلد الواحد.

إن الدائرة التربوية الواسعة التي تشمل (البيت والمدرسة والاعلام والمؤسسات العلمية ومواقع العمل والنشاطات اللامنهجية والجمعيات) هي المسؤولة عن تنشئة جيل من  العلماء والمبدعين والعمل على تنمية قدراتهم الإبداعية وعلينا أن ندرك ان النظام التربوي في أي مجتمع هو نتاج للعوامل والمؤثرات التي تحكم ذلك المجتمع وهي البيئة التي تشكل النظام التربوي وبالقدر الذي تكون فيه هذه البيئة متطور يرقى النظام التربوي والتعليمي.

وهذا يعني أهدافاً تربوية وإستراتيجية في السياسة التربوية جديدة لابد منها ويصاحبها إعداد متكامل في جميع جوانب العلمية والتربوية من أدارة وتدريسيين ومناهج وطرائق تدريس حتى نتمكن من تشكيل بيئة علمية حقيقية هدفها ومحورها الطالب الذي يجلس في مقاعد الدراسة في المراحل التعليمية المختلفة، ولابد من الفهم أن التعليم تراكمي وسلسلة متصلة ومتكاملة فكل مرحلة مهيأة ومكملة لما بعدها من المراحل فمخرجات الثانوية العامة تؤثر في مدخلات التعليم الجامعي.

كما أن مخرجات التعليم الاساس تؤثر في مدخلات التعليم الثانوي، مما يعني ان تكون سياسة تعليم ثقافة البحث العلمي عملية متدرجة تبدأ بالتعليم الأساس بكتابة تقارير علمية والعمل على أسلوب النقد والتمحيص والتحليل بالقدر الذي يناسب ومستوى المرحلة التي يكون بها الطالب في مرحلة الثانوية حتى يصل الطالب الى الجامعة يكون في مقدوره أن يتعامل مع البحث العلمي بيسر وسهولة.

تعريف البحث العلمي
العلم والبحث العلمي ليس هناك من تميز بين أمه وأخرى في امتلاك القدرات العقلية ولا تؤشر زيادة نسبة المبدعين عن  بعض الأمم إلى تميز بقدراتها العقلية، بل تعود وبصفة عامة إلى نظامها التعليمي فالنظام التعليمي الذي يعتمد الحوار ويعطي فرصة الى العقول المفكرة والباحثة والمبدعة ويعمل على رعايتها والإهتمام بها وتوفير البيئة النقية لها من أجل التطور والإبداع هو النظام القادر على أن يكون نظاماً قادراً على المساهمة في البناء والتطور.

إن البحث العلمي في يومنا هذا اصبح جزء رئيساً من حياة اية أمة تتطلع إلى الرقي والازدهار وهذا مما يدفع إلى التركيز على البحث العلمي من خلال كونه طريقة منظمة او فحصاً استفسارياً منظماً لاكتشاف حقائق جديدة والتثبت من حقائق قديمة والعلاقات التي تربط فيما بينها، أو القوانين التي تحكمها.

أن مفهوم البحث يقع ضمن إطار مفهوم العلم ويظن الكثيرون ان المقصود هو البحث العلمي ، أي ان البحث يتبع الطريقة العلمية او المنهج العلمي لغرض تحقيق اهداف العلم ونتيجة لتفرغ العلوم وظهور التخصصات المختلفة ، فأن نوع البحث يحدد بمجاله او بموضوعه. وقد ظهرت عدة تعريفات للبحث لا حصر لها ومعظمها تتدفق حول فكرة واحدة وهي أن البحث هو وسيلة للاستفسار الدقيق والمنظم، يقوم بها الباحث لاكتشاف حقائق وعلاقات جديدة تساهم في حل مشكلة ما. وعلى الرغم من هذا التعدد في تعريف البحث العلمي وعدم اتفاق الباحثين على تعريف محدد بسبب تعدد أساليب البحث العلمي وعدم تحديد مفهوم العلم، فأنها جميعاً تشترك في الامور التالية:

1- أنه محاولة منظمة تتبع أسلوب ومنهجاً معيناً ولا يعتمد على الطرق غير العلمية.
2- يهدف الى زيادة الحقائق والمعلومات التي يعرفها الانسان وتوسيع دائرة معارف ليكون اكثر قدره على لتكيف مع بيئته والسيطرة عليها.
3- يختبر المعارف والعلاقات التي يتوصل اليها ولا يعلنها الا بعد فحصها والتأكد منها بالتجربة.
4- يمثل جميع ميادين الحياة وجميع مشكلاتها ويستخدم مجالات الحياة على حد سواء.

http://www.manaraa.com/upload/ab923a28-521f-4b05-8f4f-1a28e6fca454.png

دور البحث العلمي في أثراء التعليم العالي
من الممكن أن تميز البحث العلمي أو النشاط العلمي المتخصص الذي يمارسه العلماء واعضاء هيئة التدريسيين في مجال تخصصهم في حل مشكلات الانسان في مجالات حياته المتعددة والبحث العلمي ليس تفكير العلماء وإنما تفكير يحتاجه الانسان وفي ضوء ذلك يمكن تحديد أهمية البحث العلمي وهي كالآتي:

1- الرغبة في حب الاستطلاع والتعرف على الجديد واكتشاف الميول.
2- طريقة علمية منظمة في مواجهة المشكلات اليومية والعامة.
3- يزود المجتمع والناس بالوسائل العلمية الضرورية لتحسين أساليب المجتمع والناس.
4- يعمل على رفع كفاءة الباحث واتقان العمل وزيادة الانتاج.
5- يحقق طموحات والمنافع المادية والثقافية والعلمية لكافة الناس .
6- تستخدم البحث لاوالة الشك في البحوث السابقة والرغبة في مواجهة التحدي في حل المسائل العلمية والرغبة في اكتشاف مدى جدية هذه الابحاث.

لذلك يعتبر البحث العلمي أحد العناصر الاساسية والمهمة في التعليم الجامعي والعمود الفقري لانشاء الجامعات ومراكز البحث العلمي وكذلك العامل المهم في رفع مستوى أعضاء هيئة التدريس في مجالات تخصصهم وفي إنجاح عملية التدريس، هذا بالاضافة الى أنه الأساس الذي تستند عليه انطلاقة الجامعة نحو تحقيق الاهداف التي يتطلع اليها المجتمع. فلابد من العمل على تمكين البحث العلمي من أداء دوره في خدمة المجتمع وتطوير التعليم العالي وخاصة في المجالات التطويرية والتنموية بما يفرض على المؤسسات والأفراد ذات العلاقة أن تكون على قدر المسؤولية وتحقيق رسالة البحث العلمي.

العوامل والظروف التي يجب توافرها في الباحثين والبيئة المحيطة لنجاح البحث العلمي
لم يعد البحث العلمي رفاهية أكاديمية تمارسه مجموعة من الباحثين للحصول على الترقية الأكاديمية فهو ضرورة حياتية تتطلبها حركة التنمية النفسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة للمجتمعات وقد ادركت المجتمعات المتطورة عظم الدور الذي يلعبه البحث العلمي في السيطرة على الهيئة الداخلية للفرد وكذلك البيئة الخارجية له وهناك مجموعة من العوامل والظروف يجب توافرها في الباحثين أو البيئة التي يعملون بها، ومن هذه العوامل ما يلي:

1.المؤهلات العلمية والشخصية للباحث.
2.توفر المناخ العلمي المناسب للباحث.
3.توفر المصادر وسهولة الحصول عليها.
4.توفر الوقت المناسب والتمويل الكافي.

متطلبات تطوير البحث العلمي والتعليم العالي في الجامعات
لأن الجامعات مصدر الكفاءات والمؤهلات العالية وهما عملات أساسيات لتحقيق الإبداع ومن الضروري الإدارك أن المعرفة ليست هدفا في حد ذاتها إذا لم تترجم إلى تطبيقات عملية، يتوجب على الجامعات أن تتعامل مع التطورات العلمية الحديثة من خلال برامج لبحث والتطوير ويتم بالتخطيط العلمي الجيد مما يفرض مشاركة فعالة بين مختلف القطاعات الحكومية بما في ذلك التعليم العالي لإثراء عملية البحث العلمي في الجامعات مما ينعكس بشكل ايجابي على التطور العام وعلى ثراء التعليم العالي وهذا يتطلب مايلي:

  • توعية مختلف القطاعات الاقتصادية والزراعية وغيرها بالتعاون مع مؤسسات التعليم العالي في مجالات البحث والتطوير.

  • اجراء دراسات ميدانية من قبل مؤسسات التعليم العالي حول المنشات الاقتصادية والاجتماعية ووحدات البحث التطوير فيها.

  • رعاية برامج الدراسات العليا في المجال البحثي النظري والتطبيق للنشاط المختلفة ان ربط الدراسات والابحاث التي يقوم بها عضو هيئة التدريس بالحياة وربط الصلة بينها وبين مواقع العمل والانتاج خارج الجامعة يسهم في قيام الجامعة والتعليم العالي بدورها في تنمية المجتمع ( غالب ، 2011).

  • ان نجاح التعليم العالي في القيام بدوره التنموي والتطويري يعتمد كليا على نجاح البحث العلمية انشطته المتنوعة التي تستدعي ادارة قادرة على ايصال الى المكانة الاجتماعية والثقافية لتجعل من الانتاج الفكري احد انماط الانتاج المتطورة.

دور التعليم العالي في خدمة البحث العلمي
انطلاقاً من أن الجامعات ومؤسسات التعليم العالي تمثل تعليم وبحث علمي فهي تمارس نشاطها البحثي من خلال

  1. بحوث المراكز المرتبطة بالجامعة

  2. بحوث الدراسات العليا

  3. بحوث التدريسيين

تهتم الدول المتقدمة بالبحوث العلمية سواءاً كانت الأساسية او التطبيقية وهذه هي مهمة الجامعات في القيام بهذه الأبحاث وهنا لابد من التنسيق بين  مؤسسات الدولة والجامعات، كما أن نقل المعرفة وتطويرها لا يتم إلا على أيدي الباحثين ذوي الخبرة الواسعة في البحث والتجربة وأن من وظائف الجامعة الرئيسية هو تهيئة جو البحث العلمي وايجاد الباحثين في مجالات إختصاص مختلفة ولا يقتصر البحث العلمي على أعضاء هيئة التدريس فحسب وإنما يتجاوز إلى الطلبة المتعلمين في الجامعة على تدريبهم وإعدادهم وهذا مقياس عراقة الجامعات بما رسخت من تقاليد علمية واسس بحثية ثابتة.

إن تنمية البحث العلمي وتشجيعه لابد أن يرسخ في فكر الطالب منذ جلوسه على مقاعد الدراسة  على الأقل في المرحلة الثانوية قبل دخوله الى الجامعة، كما أن من الواضح أن توظيف أساليب البحث العلمي والتدريب على استخدامها تهيئ للإنسان سبل الابداع وحسن توظيف معارفه والحكومة المكتسبة، أضف إلى ذلك أن البلدان المتقدمة تقوم على تدريب طلابها على كتابة تقارير علمية وبحوث حسب القواعد المرعية، بحيث يتمكنون من استعمالها بسهولة ويسر عند التحاقهم في المراحل التعليمية المتقدمة وخاصة الجامعي لمتابعة علومها .

معوقات البحث العلمي في الوطن العربي
إن البحث هو عملية الوصول الى الحقيقة وهو دراسة للتعرف على المشكلة ووضع الحلول اللازمة لها واستخدام هذه الحلول اختبار صلاحيتها ومن ثم تلبيها بشكل قواعد  تصلح للاستعمال والتطبيق ، وأن أي مجتمع يحتاج الى ظاهرة الربط بين محتوى التعليم العالي وبين حاجات التنمية ومتطلبات السوق عن طريق العناية الكاملة من قبل التعليم العالي والبحث العلمي، الذي يمثل ركيزة أساسية من ركائز  التعليم العالي، كما أن مطلب البحث العلمي كان ومازال ضالة التعليم في كثير من البلدان العربية ولا يكون مقالاً ومزهراً إلا بتوفر الظروف الاجتماعية المناسبة والامكانات الإقتصادية والمالية.

ويعاني البحث العلمي من عدم قدرته على الإسهام الكافي في تطوير الواقع العربي ورفع اقدرات الإقتصادية والإجتماعية للإنسان العربي والمعاناة هذه نتجة المعوقات الأساسية التي تحد من نشاط البحث العلمي في وطننا العربي بشكل خاص هي معوقات نفسية وفكرية وسلوكية، مقدم الثقة في القدرات الذاتية والاستسلام للاحباط والرغبة في البحث السريع. لذا فإن البحث العلمي يواجه معوقات وعراقيل عديدة تقف في طريق امكانية مساهمته في اداء دوره. ومن أهمها ما يلي:

  • عدم وجود دعم مادي للابحاث العلمية او المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية .

  • العراقيل الادارية التي تضعها ادارات الجامعات .

  • ضعف الصلة بين البحث العلمي وحاجت المجتمع المحلي وعدم توجه الابحاث الى علاج قضايا المجتمع.

  • تدني المستوى العلمي لبعض اعضاء هيئة التدريس الذي يقف في طريق مشاركتهم في الابحاث العلمية او في المؤتمرات والندوات المتخصصة.

  • وجود فجوة بين مصممي الخطط التنموي ومنفذيها.

  • عدم وضوح استراتيجية للبحث العلمي على المسارين الاكاديمي والواقعي لحل المشكلات اليومية في مختلف القطاعات.

تطوير البحث العلمي
إن الخبرة والبحث العلمي هو الوظيفة الأولى في إنتاج المعلومات وهذا التطور الوظيفي يسترجع من ذاكرته الذاكرة الخارجية التي تتاح له ما تيسر من المعلومات والأوعية المرتبطة بالخبرة ثم يوازي وينتهي بتكوين فكرة جديدة أو تصور جديد وهي وظيفة الابتكار. وعلى الرغم مما ذكر في المعوقات التي تواجه  البحث العلمي إلا أن قضية التطور والتنمية المستقبلية له تحمل الصورة الإيجابية للأسباب التالية:

  • ارتباط صانعي القرار على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بمستقبل البحث والتطوير التربوي.

  • توفر الكفاءات في جميع مجالات العلوم.

  • زيادة المشاركة باهمية البحث العلمي من خلال المؤتمرات والندوات والملتقيات العلمية.

  • وضع استراتيجية للبحث العلمي مع مراعاة الدعم المادي له.

  • التنسيق بين الجامعات ومراكز البحث العلمي لتطوير الدراسات العليا والبحث العلمي على كافة المستويات.

المصدر: 

 

للاستفسار أو المساعدة الأكاديمية اطلب الخدمة الآن

مع تحيات:

المنارة للاستشارات لمساعدة الباحثين وطلبة الدراسات العليا

أنموذج البحث العلمي